صلاح عجارمة… حب في الكنيسة

بقلم: عيسى قراقع

توفي المناضل والصديق الأسير المحرر صلاح عجارمة يوم 14/4/2021، ابن مخيم عايدة قضاء بيت لحم، بعد معاناته من مرض عضال، وفي شهر رمضان الفضيل وفي حضرة الربيع وزهر اللوز الأخضر وعناق الأرض للسماء في ابتهالات الصلاة رحل صلاح صائما ليطل فجر المخيم على وجع اللاجئين.

ما هذا الصمت الثقيل في شهر نيسان؟ جسد صلاح يخرج من بين قضبان سجون الاحتلال الاسرائيلي، روحه تشتعل في الاعتصامات والفعاليات التضامنية مع الاسرى بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني، عمل في جمعية نادي الأسير منذ البدايات، تراه في الخيمة والمسيرة والاعتصام وفي المظاهرات، تراه في بيوت عوائل الأسرى والشهداء والمبعدين يهتف للحرية والحياة، يلقي الحجارة ويكسر قيود المؤبدات.

ما هذه الصمت الثقيل في شهر نيسان؟ جسد صلاح عجارمة يتحول الى رمح في خاصرتنا، غادرنا مبكرا، ركب حصانه وسافر إلى البحر أو الى قريته الفلسطينية المهجره عجور، عاد يحمل شتلة صبار دائمة الثمر طوال العام، زرعها فوق سطح بيته تقطر بالعسل والندى والذكريات، أشواكها تنغرز في زمن النكبة وتحرك في أزقة المخيم أجيال الانتفاضات.

ما هذا الصمت الثقيل في شهر نيسان؟

جسد صلاح عجارمة يخرج من بوابة كنيسة المهد في بيت لحم بعد حصارها 40 يوما من قبل قوات الاحتلال، رفض صلاح أن يمد يده ويصافح ذلك الضابط الاسرائيلي المدعو “مارسيل” قائد اجتياح مدينة بيت لحم خلال انتفاضة الاقصى عام 2002، لقد ادعت دولة الاحتلال أنها حررت الكنيسة من الارهابيين، وقف الضابط الاسرائيلي ليصافح الخارجين من الحصار مبتسما أمام الكاميرات، قال له صلاح: أنت واحد قاتل، 8 شهداء سقطوا داخل الكنيسة، 39 محاصرا تم ابعادهم الى قطاع غزة وخارج الوطن، عشرات الجرحى والمصابين بالرصاص والقنابل، أنت واحد قاتل، لن أمد يدي لسفاح شن حربا على بيت الله واغتال الصلاة، لن تخدعني ولن تخدع وسائل الاعلام وتدخل الصورة.

قبل وفاته تحدث صلاح عن تلك الايام القاسيات، عشرات المجنزرات، مئات الجنود ورجال القناصة يحاصرون كنيسة العذراء، يفتشون عن أطفال بيت لحم، سماء بيت لحم محشوة بالقنابل والنار والحديد، بلاط الكنيسة منقوع بالدماء، سكتت أجراس الكنيسة، قتلوا الراهب قارع الأجراس، الموت يقفز من كل شباك وحارة، جثث في كل مكان، المسيح ينزف مشدوها على خشبته ينتظر الخلاص.

يرتعش جسد صلاح عجارمة وهو يروي أيام الحصار، الجوع والبرد والرصاص والدم، الملائكة تحترق في فضاء الكنيسة، العذراء تصرخ، المحاصرون يأكلون الحشائش والنباتات وأوراق الشجر والخبيزة، لا دواء ولا طعام ولا هواء، رائحة الموت تنتشر بين ضلوع المحاصرين، جثث ممددة، جرحى ينزفون، مغارة الميلاد الدافئة تحولت الى عيادة للجرحى، صلاح وصديقه المبعد صامد يحاولون اسعاف المصابين بوسائل بسيطة، بدعاء الراهبات أو ببخور الشموع المضاءة وبالرجاء.

بأم عينيه رأى صلاح عجارمة أصدقاءه يسقطون بالرصاص واحدا واحدا، كلما حاول احدهم احضار رغيف خبز تلقيه عليهم أم ناصر مرزوق من وراء سور الكنيسة، الرصاصة تسبق الرغيف، من يكسر الحصار؟ اتصل صلاح بالمتطوعين الاجانب الذين تواجدوا في مخيم عايدة وشكلوا دروعا بشرية لحماية المدنيين من قصف الطائرات ومن اجتياح الجنود الهمجية للمنازل وحملات الاعتقال، استجاب المتطوعون فحملوا الأدوية والمواد الغذائية واقتحموا بوابة الكنيسة المحاصرة في أشجع عملية تضامن دولية مع المحاصرين، لقد اعتقل هؤلاء المتطوعين على يد سلطات الاحتلال وابعدوا فورا خارج البلاد بعد انتهاء الحصار، أرادت حكومة الاحتلال الاسرائيلي أن تخفي الشهود وتطمس الحقائق وتطفئ عين المشهد الانساني حول فصول المأساة.

يروي صلاح سرديته عن علاقة التضامن بين المحاصرين داخل الكنيسة في مواجهة سياسة البطش الاسرائيلية، يقول: صرنا جميعا أصدقاء، وحدتنا الكنيسة وصارت معبدا للمسلمين والمسيحيين وخندقا يجمع بين الصمود والعبادة والمقاومة وأركان الصلاة، وحدة الروح الفلسطينية تفوقت على سياسة شارون الوحشية وما يسمى عملية السور الواقي، رغم الموت والخراب والتدمير لم تتحول المدينة الى مدينة اشباح، مخيم جنين ينتفض ببطولته في عروق بيت لحم، أبو جندل يرسل تحياته وذخيرته وروحه الى المدينة المقدسة، الرئيس أبو عمار المحاصر في المقاطعة في رام الله يؤذن في الكنيسة وهو يردد: يريدونني طريدا او اسيرا او قتيلا، ولكني أقول لهم شهيدا شهيدا شهيدا.

حمل صلاح عجارمة في قلبه حب المسيح، وفي قلب انتاج الموت والارهاب الاسرائيلي والكوابيس المفزعة والجنازات الكثيرة ظل قلب صلاح يطفح بالايمان والنور والأمل، اتصل بوالدة حبيبته رشا في مخيم عايدة من داخل الكنيسة المحاصرة، أبلغها بأنه يتقدم بطلب يد ابنتها رشا للزواج، انه بحاجة اليها الان لتكون معه في هذه المحنة، تضيء الظلمة، تساعده على المرور من بين ارتال الدبابات وصواريخ الطائرات، ترمم قلبه الموجوع، تمسك بيده ليمر من بين مئات الحواجز والطرقات المدمرة والبيوت المهدومة، رشا الوحيدة القادرة أن تساعده لايصال الشهداء الى مقابرهم، النساء الى غرف الولادة، الاطفال الى مدارسهم، الخروج من منع التجوال والافلات من المداهمات ومن الطائرات الهادرة ليلا ونهارا، الحب قوتنا العظمى التي نستطيع بها أن نهزم دولة الاحتلال الفاشية، حب المسيح الفلسطيني صار رسالة ايمان وبشارة كونية.

ابلغ صلاح أم رشا أنه لا يملك شيئا في هذه اللحظات، يقف على مدى رصاصة غادرة، مصيره الموت او السجن او الابعاد، وقال: احتاج الى قصيدة تحطم ما يسمى اسطورة جيش الاحتلال، احتاج الى رشا اللاجئة، احتاج الى مجدلية اخرى في زمن المخاض، أحتاج الى ذاكرة، هي المراة القادرة أن تخلع المسامير عن الصليب، هي الوحيدة التي ستعيد التوازن بين روحي القلقة والحياة.

والدة رشا التي بللت الدموع خديها قالت له: هي لك، لو ابعدوك الى اخر الدنيا سارسلها اليك، ان كانت فلذة كبدي قنبلة فخذها واضرب بها عدوك، وان كانت رشا حلمك الان وغدا فستجد حلمك بين يديك في شمس الصباح، خذها زهرة وازرعها على جدار الكنيسة وانقشها كما الايات، خذها قطرة ماء في بئر قلبك المقدس، اقم عرسك في الحصار، ليختلط الحناء بالدم والفرح وبهجة الارواح الشهيدة، هي لك، وعلى الهاتف سمع صلاح صوت الزغرودة.

تزوج صلاح من رشا بعد خروجه من حصار كنيسة المهد وأنجب أربعة أبناء هم: رغد ورند وروند ورواد، وكلما نظر الى ابنائه تذكر تلك الزفة داخل الكنيسة، العذراء باركته وعمدته واحتفل به الاصدقاء الذين تناثروا كالشظايا في المعتقلات والمنافي والقبور، انسحبت الدبابة من بوابة الكنيسة، اجيال جديدة طالعة يراهم في اطفاله الصغار، يأخذهم في الاعياد المجيدة الى ساحة الميلاد، يضيئون الشجرة، يقرأون الفاتحة على أرواح الشهداء، يضيئون الشموع، ذاكرة الحب أقوى من ذاكرة الموت وهو يشارك المؤمنين صلاة منتصف الليل وبيديه يقرع اجراس الحرية كلما حل شهر نيسان.

رحل الصديق الحبيب صلاح عجارمة عشية ذكرى عيد زواجه وقبل أن يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية للادلاء بشهادته عن جريمة الاحتلال الاسرائيلي خلال حصار كنيسة المهد، تأخر المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الانسان كثيرا، رحل صلاح لكن مؤسسة لاجئ التي أسسها في مخيم عايدة روت سردية الحصار من خلال انشطتها وفعالياتها المحلية والدولية، مؤسسة لاجئ هي صوت صلاح بفرقها الفنية وبعروضها المسرحية وبانشطتها الاجتماعية وبعلاقاتها الواسعة مع المؤسسات الدولية، مؤسسة لاجئ هي المنبر والناطق باسم المعذبين والمقتولين واللاجئين والمقهورين، صلاح عجارمة حاصر الحصار وحطم الصمت والجدار واطلق الرواية.

رحل صلاح عجارمة وهو يزرع اشتال الزهور والنباتات والاشجار على سكان المخيم، شيد الحدائق فوق سطوح منازل اللاجئين، قال لي: اذا كانت الارض قد نهبت وسرقت ففي الشجر رائحة التراب الاحمر وطعم الماء، كل شجرة تحمل اسم قرية نسفت عام النكبة 1948، اغصانها تشير الى هناك عالية عالية، أعلى من الأبراج المسلحة والمستوطنات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق