سقوطُ الصّحافة

كتب مؤيّد قاسم الدّيك

ذات يوم، قال جورج أورويل، في تعريفه للصّحافة:”الصحافة تعني أن تَنشر ما لا يريده شخص آخر أن يُنشر، غير ذلك يعتبر علاقات عامة”.

فالصّحافة التي تنشر أخبارًا يعرفها الدّهماء من النّاس، أو ما يريده النّاس ليست صحافة. وهذا حال ونهج الصحافة الفلسطينيّة في مجملها، للأسف.  فهي صحافة علاقات عامّة، ولذلك نجد عزوفًا عن متابعتها، ولا جديد فيها، فلا تنبش في المحرّمات، ولا تعرّي المقامات السّامية، وتكشف حقيقتها، بل تعمل على تمجيدها وتلميعها، بأخبار لا يَنظر إليها سوى مَن كتبها بلغته الرّكيكة، المنفّرة بأسلوبها وتدليسها، في إطار العلاقات العامّة.

نحتاج صحافة استقصائيّة حقيقيّة، عمادها المعلومة الصّادقة، والمدعومة بالأدلّة، صحافة تقول لهذا أنت لصٌّ سارق، وهذا برهاننا، ولذاك أنت مسؤول شريف وهذا دليلنا. نحتاج صحافة تجعل من الوزير والغفير في سلّة واحدة، صحافة تكشف ما لا يُراد له أن يُنشر، ولكنْ هيهات هيهات!

نحتاج صحافة مقروءة ومسموعة ومرئيّة، شعارها: ننشرُ ما لا يُراد له أن ينُشر. نحتاج صحافة ذات سلطة، يهابها كلُّ مسؤول، ويخشى على ذاته من المساءلة الشّعبيّة على صفحات الجرائد، وفي الفضائيّات والإذاعات، قبل جرّه إلى المحاكم. نحتاج صحافة تكشف الأرقام الحقيقيّة لميزانيّات الوزارات والهيئات، وكيف يتمّ صرفها، وما درجة النّزاهة في ذلك!

أمّا كتّاب المقالات، فمعظمهم، في الحقيقة كَتَبة، لا يحيد قلمُهم عن الخطّ، فساهموا في تردّي الواقع؛ فليس لهم تأثير بالرّأي العام، أو بلورة موقف، بل لا يجرؤون على أن يقولوا ما يشعر به النّاس من أسىً وإحباط. وكيف لهم ذلك والحقيقةُ عندهم يأتون بها من الصّالات المغلقة، لا من قاع المدينة، أو أزقّة المخيّمات، أو المستشفيات العامّة، وما كتاباتهم سوى مواضيع إنشاء مليئة بالإطناب !إنها تسحيج وترويج لكلام مكرور باهت، من ثلاثين سنة. ولو كنتُ مسؤولًا لما سمحتُ بأن يتقاضى “كاتب” درهمًا واحدًا على هذا الكمِّ من الهراء، في أغلبه، لأنّه وببساطة لم يقرأ مقالَه أحدٌ سواه!

ما يريده النّاس يا سادة، وجوهًا جديدة، تبعث الأمل في روح الشّباب الخاوية، بفكرها المنير. ما يريده النّاس أقلام مفكّرين، تخطّ لهم نهجًا جديدًا في الرّؤيا والقرار، وتخلق وعيًا جمعيًّا، حول قضاياها المصيريّة، وعيًا مختلفًا عن ذاك الرّكام، الّذي خطّته أقلام الكتَبَة، منذ ثلاثين انتكاسة، ولم تستطع أن تخلق جمهورًا لها!

إن أردنا أن ننهض بصحافتنا، علينا إطلاق الحرّيات، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها، وأن تكون الصّحافة، فعلًا لا قولًا، سلطة رابعة، يخشاها كلّ راعٍ في هذا الوطن المسروق. نحتاج فكرة جديدة، ونزاهة، وكاتبًا يُشهد له، من خلال رؤيته للواقع. نحتاج تغييرًا للأدوات كلِّها، بل نسفًا لواقع تحمّلناه ثلاثة عقود من الخيبات والانكسارات.

نحتاج صحافة، لغتها مختلفة، وأسلوبها زاخر بمفردات الوطن، وبالفعل والعمل، لا بالقول والتّنظير. نحتاج تصحيحًا لنهج ركيك، أفرزَ جيلًا من الصّحافييّن الحزبييّن، فطغت الفئويّة ومفرداتها على كتاباتهم!

يا سادة، نحن نعيش سقوطًا صحافيًّا، نهجًا وفكرة؛ فالصّحافة الّتي مانشتّها هنّأ واستقبل، وتتمّاتها افتتح ورعى، صحافة خائبة.

أين الصّحافة الّتي تلاحق هذا السّفير، وتقول ماذا قدّمت للوطن، وذاك المدير العام، أو الوزير، وتقول له من أين لك هذا، وتلك المؤسسّة، التي أُنشئت من أجل استرداد المال المسروق، ومساءلتها عن حجم الأموال التي استردّتها، وهل ما أعادته يغطي مصروفاتها منذ إنشائها!

نحتاج صحافة تقاضي مجلسًا تشريعيًّا معطّلًا ولم يشرّع قرارًا، لكنّه ما زال يسطو على أموال الغلابى والمقهورين. نحتاج صحافة تقول لهذا الأمين العام أو ذاك ماذا قدّمت للوطن، ومخصّصات حزبك، الّذي لا يتجاوز عدد أفراده بضعة عشرات، من جيب المسحوقين! نحتاج صحافة وطنيّة تقول لهذا المسؤول لماذا تملك جيشًا من الحرّاس، ورتلًا من السّيارات، ودفاتر كثيرة تغطّي كوبونات بنزين هذا الرّتل!

لماذا صحافتنا بلا قيمة، أو أهميّة، ولماذا نبتعد عن مشاهدتها أو قراءتها؟ لأنّنا ببساطة حوّلناها إلى” بوسترات” دعاية، أو علاقات عامّة، فعافَها النّاس، وراحوا يبحثون عن صحافة أخرى تخبرهم عن واقعهم بصدق أكثر، وشفافية أوضح. وهذا محزنٌ حقًّا. محزنٌ لأنّنا نسمع ونشاهد ونقرأ حقيقتنا من على شاشات الآخرين!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق